موسوعة القانون الدستوري ونظم الحكم

دراسة أكاديمية في المفاهيم والنظم الدستورية

📑 فهرس المحتويات

⚠️ تنبيه: إجابة سؤال (الرقابة على دستورية القوانين) غير متوفرة في هذا الملف.
  1. المفهوم الشكلي والموضوعي للقانون الدستوري
  2. أنواع العرف الدستوري وقيمته القانونية
  3. طبيعة قواعد القانون الدستوري
  4. طرق وضع الدساتير
  5. مبدأ الفصل بين السلطات
  6. نظام الحكم الملكي والجمهوري
  7. النظام المجلسي (نظام حكومة الجمعية)
  8. النظام البرلماني
  9. النظام الرئاسي

١. المفهوم الشكلي والموضوعي للقانون الدستوري سؤال مقالي

أولاً: المفهوم الشكلي للقانون الدستوري

ظهر نتيجة حركة تدوين الدساتير التي بدأت في الولايات المتحدة (1787)، ثم انتقلت إلى فرنسا ومنها إلى باقي العالم. يقوم هذا المفهوم على الربط بين الدستور المكتوب والقانون الدستوري؛ فالقانون الدستوري هو مجموعة القواعد الأساسية الواردة في وثيقة رسمية تسمى الدستور، توضع غالباً بلجنة خاصة وبإجراءات تختلف عن إجراءات القوانين العادية. ويعرف بأنه الدستور المكتوب المطبق في زمن وبلد معين.

تقييمه

مزاياه: البساطة والوضوح لسهولة الرجوع للوثيقة الدستورية، وسمو قواعده على باقي القواعد القانونية الأخرى؛ نظراً لتعقيد إجراءات وضعه خصوصاً في بلاد الدساتير الجامدة، مما يكفل الاستقرار والسمو ويفرض احترامه على السلطتين التنفيذية والتشريعية.

عيوبه: لا يصلح وحده لتعريف القانون الدستوري كونه غير جامع وغير مانع معاً:

ثانياً: المفهوم الموضوعي للقانون الدستوري

وهو الرأي الغالب، ويقوم على مضمون وجوهر موضوع القواعد لا على شكلها، أينما وردت: في وثيقة جامدة أو مرنة، قوانين عادية أو لوائح.

مزاياه: يعترف بدساتير كل الدول العرفية والمكتوبة، ويخرج القواعد غير الدستورية بطبيعتها، فيشمل كل ما هو دستوري أصلاً وموضوعاً بغض النظر عن شكله. ووفقاً للفقه الغالب، يعرف بأنه: مجموعة القواعد التي تبين تشكيل السلطات العامة وتنظيمها وممارستها، وعلاقة كل منها بالأخرى وبالأفراد.

ملاحظات ختامية:

الخلاف بين المفهومين، وكما قرره البعض، نظري أكثر منه عملي، إلى جانب وجود تكامل بينهما. فبينما يوفر المفهوم الشكلي الوضوح والسمو والحماية القانونية لقواعده من الناحية الإجرائية، مما يجعله المصدر الأول والأهم في معظم دول العالم، يظل المفهوم الموضوعي هو الأداة العلمية القادرة على استيعاب جوهر النظام السياسي للدولة بكافة أبعاده، مما يجعل الجمع بينهما ضرورة لفهم كامل البنيان الدستوري للدولة، متوافقاً مع وجهة النظر العلمية والأكاديمية.

نشير في النهاية أن مصطلح القانون الدستوري يختلف في نظر رجال الفقه التقليدي عن مصطلح النظام الدستوري، فالقانون الدستوري طبقاً لهم يوجد في جميع الدول ديمقراطية أو استبدادية كانت، بينما يقتصر تطبيق مصطلح النظام الدستوري على الدول الديمقراطية فقط. أما أنصار الفقه الحديث، فيرون ترادف وتطابق كلا المصطلحين ووجودهما في أي دولة دون استثناء.

٢. أنواع العرف الدستوري وقيمته القانونية سؤال مقالي

وينقسم وفقاً لوظيفته وعلاقته بالنص المكتوب، لثلاثة أنواع رئيسية: العرف المفسر، والعرف المكمل، والعرف المعدل.

أولاً: العرف المفسر

هو العرف الذي يقتصر دوره على مجرد تفسير نص غامض أو مبهم في الدستور المكتوب، أي أنه يوضح معنى النصوص ويحدد كيفية تطبيقها دون أن يضيف حكماً جديداً، يعتبر جزءاً من الدستور المكتوب الذي يفسره، ويأخذ حكمه وقوته، ولا خلاف بين الفقه على مشروعيته.

ثانياً: العرف المكمل

تعريفه: هو العرف الذي يقوم بتنظيم مسائل دستورية سكت عنها الدستور المكتوب، ويعالج أوجه القصور أو النقص في الدستور، ويعد منشئاً للقواعد القانونية الجديدة.

الفرق بينه وبين العرف المفسر: العرف المكمل ينشئ حكماً جديداً، بينما العرف المفسر يقتصر على توضيح موجود، كما تقوم أغلبية الفقه بتقرير مشروعيته، ويعد مكملاً للدستور المكتوب وله ذات القوة القانونية.

ثالثاً: العرف المعدل

هو العرف الذي يؤدي إلى تعديل حكم من أحكام الدستور المكتوب، إما بإضافة حكم دستوري جديد، أو بحذف حكم دستوري قائم، وله صورتان:

١. العرف المعدل بالإضافة

تعريفه: يضيف حكماً جديداً أو قاعدة جديدة إلى الدستور المكتوب، وتكون خطورته أنه يضيف اختصاصاً جديداً على نحو يمثل تعديلاً بالإضافة للدستور القائم.

مثال على ذلك: ما قضى به العرف بتمتع السلطة التنفيذية بحق إصدار لوائح البوليس، رغم أن دستور 1923 لم يمنحها للحكومة، وكان دستوراً جامداً ويتطلب موافقة البرلمان على التفويض، لكن العرف أضاف هذه السلطة للحكومة استثناءً.

٢. العرف المعدل بالحذف

تعريفه: يؤدي إلى إسقاط حكم من الدستور المكتوب، بحيث يصبح ذلك الحكم غير معمول به، نتيجة إهمال تطبيقه وعدم استعماله، وأبرز أسباب نقضه أنه يسقط نصاً دستورياً قائماً، بخلاف ما ينص عليه الدستور من إجراءات خاصة لتعديله أو إلغائه.

مثال على ذلك: في فرنسا، كان دستور الجمهورية الثالثة لعام 1875 ينص على حق حل مجلس النواب من قبل رئيس الجمهورية، لكن العرف حذف هذا النظام تدريجياً منذ 1877 حتى قيام حكومة فيشي سنة 1940، وتم التعديل الرسمي لاحقاً في 1958 الذي أعاد إحياء حق الحل وبقوة في المادة 12 منه، ومنحه لرئيس الجمهورية كأداة أساسية للتوازن بين السلطات.

القيمة القانونية للعرف الدستوري

الاتجاه الأول

لا يعترف بالعرف المعدل بأي قيمة قانونية، وذلك لسببين:

  1. أن تعديل الدستور الجامد يتطلب إجراءات معقدة توضحها نصوص الدستور، ولا يمكن تجاوزها بالعرف.
  2. أن الاعتراف بالعرف المعدل يتعارض مع مبدأ سيادة الشعب، فالدستور بوصفه مُعبّراً عن السيادة الشعبية هو الذي أوجد الهيئات الحاكمة، ولا يجوز لها أن تخالف الدستور الذي أوجدها.

الاتجاه الثاني

يقر مشروعية العرف المعدل بالإضافة، وذلك في البلاد التي يقوم نظامها السياسي على مبدأ سيادة الأمة، فالعرف ليس إلا تعبيراً عن إرادة الأمة، وهذه الإرادة تعتبر السلطة التأسيسية العليا المختصة أصلاً بتعديل الدستور. وهذا الاتجاه ينقسم بداخله إلى فريقين بشأن قيمته القانونية:- فمنهم من يرى أن للعرف المعدل قوة الدستور المكتوب، ومنهم من يعطيه قوة القانون العادي.

موقف الفقه من العرف المعدل بالحذف

وتستند القلة المؤيدة له بناءً على:

  1. أن العرف مرن وقابل للتطور، وهو وليد ظروف تاريخية وسياسية للبيئة التي نشأ فيها، ويسمح بتخفيف حدة النصوص الدستورية لتلائم الظروف ومقتضيات الحياة العملية.
  2. أن العرف تعبير عن إرادة الأمة صاحبة السيادة، والتي تكون بمثابة السلطة التأسيسية العليا التي تملك وضع الدستور وتعديله.

رأي غالبية الفقه: أن العرف المعدل بالحذف لا يملك أي قيمة قانونية، ولا يستطيع أن يلغي نصاً من دستور جامد، وذلك للأسباب التالية:

٣. طبيعة قواعد القانون الدستوري سؤال مقالي

تتمحور إشكالية طبيعة القواعد الدستورية حول مدى توافر عنصر الجزاء، فبينما يرى البعض تجردها منه، يؤكد الآخرون وجوده بصور مغايرة للأنماط التقليدية. ويمكن استعراض ذلك عبر المذهبين التاليين:

المذهب الأول: إنكار الصفة القانونية للقواعد الدستورية

أصحاب هذه المذهب هم أنصار المدرسة الشكلية في تحديد طبيعة القانون في القاعدة القانونية في نظر أنصار هذه المدرسة الشكلية هي قاعدة سلوكية تتخذ صورة أمر من الدولة وتقترن بجزاء مادي يطبق على من يخالفها.

وترجع المدرسة الشكلية في أساسها إلى الفيلسوف الإنجليزي "هوبز"، الذي رأى أن القانون ليس إلا أمرا صادرا من حاكم وسلم له بالطاعة، وتأثر بهذه المدرسة الفقيه الإنجليزي "جون أوستن" (John Austin) الذي يرى أن القانون هو أمر يصدره الحاكم إلى الخاضعين لسلطانه على أن يكون هذا الأمر مشمولاً بجزاء مادي يوقع على من يخالفه، فالقانون الدستوري في نظره، مجرد قاعدة آداب تحميها جزاءات أدبية فقط.

المذهب الثاني: الاعتراف بالصفة القانونية للقواعد الدستورية

وهو رأي أنصار المدرسة الموضوعية في تحديد طبيعة القانون، فالقواعد الدستورية تعتبر في نظرهم قواعد قانونية، وأن مخالفة هذه القواعد الدستورية قد يترتب عليها أحيانا جزاء من قبل السلطة العامة، غير أن الجزاء ليس قاصراً على فكرة القهر أو الإكراه المادي، بل يكفي أن يكون جزاءً معنوياً يتمثل في نوع من ردّ الفعل الاجتماعي أو الإكراه النفسي، دون أن يكون توقيعه مرتبطاً بالسلطة العامة.

ومن أنصار هذه المدرسة الفنية الفرنسي "ديجي"، وتذهب بغالبية الفقه المصري إلا أن قواعد الدستورية هي قواعد قانونية بالمعنى الدقيق وذلك للأسباب الآتية:

  1. فإذا كانت قواعد القوانين العادية تعتبر من الناحية المنطقية قواعد قانونية فإن من باب أولى اعتبار القواعد الدستورية قواعد قانونية أيضاً، وذلك لأن قواعد القوانين العادية تصدر مستندة إلى الدستور وتستمد منه قوتها الملزمة فهي بمثابة فرع من الأصل، فمن غير المعقول أن ننسب الصفة القانونية إلى القواعد الفرعية، وننكرها على القواعد الأصلية.
  2. وإذا كان الجزاء يشكل من الناحية القانونية عنصراً من عناصر القاعدة القانونية، فلا يجوز الربط بين فكرة الجزاء وفكرة القهر الذي تفرضه السلطة العامة، فالجزاء يتنوع بحسب القاعدة القانونية، والعلاقات التي تحكمها، والمصالح التي تحميها، ففي قانون المرافعات، يتمثل الجزاء في ما يقرره القانون من بطلان الإجراء إذا وقع مخالفًا للقانون. وفي قانون العقوبات، يكون الجزاء عبارة عن عقوبات مختلفة: غرامة مالية، المصادرة، عقوبة سالبة للحرية، أو الإعدام. وفي القانون المدني، يتنوع الجزاء بين بطلان العقد أو المسؤولية المدنية، وهي التزام بالتعويض.
  3. بل يمكن القول بتعدد أشكال الجزاء في القانون الدستوري عند مخالفة أحكامه بين السياسية والقضائية.

أ- الجزاءات السياسية

منها ما هو مقرر في نظام الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في النظم البرلمانية، إذ أن السلطة التنفيذية تملك حق حل المجلس النيابي بالشروط الواردة في الدستور، وتملك السلطة التشريعية في المقابل حق سؤال الوزراء واستجوابهم، وحق طرح الثقة بالوزارة، وحق إجراء تحقيقات برلمانية. كما يدخل ضمن الجزاءات السياسية ما يمارسه الرأي العام من رقابة على الأحكام لضمان احترام الدستور وعدم انتهاك أحكامه.

ب- الجزاءات القضائية

قد تكون جزاءات جنائية يوقعها القاضي الجنائي، ومثال ذلك النصوص التي تجرم الاعتداء على الحريات العامة التي قررها الدستور، والنصوص التي تعاقب على المساس بحرية الانتخابات أو منع الناخبين من ممارسة حقوقهم السياسية، والنصوص التي تعاقب رئيس الجمهورية عن جرائم الاعتداء على الدستور.

٤. طرق وضع الدساتير سؤال مقالي

قسم الفقه طرق وضع الدساتير إلى قسمين: طرق غير ديمقراطية متمثلة في أسلوب المنحة أو العقد، وطرق ديمقراطية متمثلة في أسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة أو أسلوب الاستفتاء الدستوري.

وقبل تفصيل هذه الأساليب، نلاحظ ما يلي:

  1. تختلف أساليب وضع الدساتير باختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة، وهو ما يؤكده الارتباط التاريخي بين هذه الأساليب وتطور النظم السياسية من الملكية المطلقة، مروراً بالملكية الدستورية، وصولاً إلى الجمهورية.
  2. لا يعني انتشار الديمقراطية مؤخراً زوال الأساليب غير الديمقراطية في وضع الدساتير، بل انكماشها. مثال ذلك الدستور الكويتي الصادر عام 1962 بأسلوب العقد.
  3. ليست هذه الأساليب هي الوحيدة، فهي تتسم بالمرونة، إذ يجوز الجمع بين أكثر من طريقة، أو اعتماد دستور بطريقة لا تندرج ضمن الطرق الأربع، مثل الدستور المصري المؤقت لسنة 1964، أو دستور الإمبراطورية الألمانية لسنة 1871 الخاضع "لأسلوب المعاهدات الدولية في وضع الدستور". هذا الأخير لم يعد معمولاً به حالياً، وهو أسلوب جرى تطبيقه في إنشاء الدولة الاتحادية، وليس من المستحيل العودة إليه في ظل الظروف الدولية الراهنة.
  4. لطريقة وضع الدستور أهمية كبيرة فيما يتعلق بتفسير أحكامه، إذ يقتضي الأمر معرفة النية الحقيقية للجهة الصادر عنها العمل المراد تفسيره. ولا يوجد ارتباط حتمي بين طريقة وضع الدستور ومضمونه أو مدة بقائه، لأن توافق الدستور في شكله ومضمونه مع ظروف الدولة يمكن أن يكفل له البقاء، حتى وإن كان صدوره غير ديمقراطي.
  5. بالإضافة إلى ذلك، فإن وسائل حماية الدساتير تطبق على كل دستور مطبق أياً كانت طريقة وضعه.

أولاً: الأساليب غير الديمقراطية في وضع الدستور

١. أسلوب المنحة

يكون الدستور صادراً في شكل منحة إذا استقل الحاكم بوضعه معبراً عن إرادته دون سواه. وقد يكون منح الدستور بمحض إرادة الحاكم من الناحية النظرية، غير أن الغالب أن يكون تحت ضغط وإكراه من جانب الشعب، فالظروف السياسية هي التي تدفع الحاكم عادةً إلى منح الدستور خشية الإطاحة به.

مدى التزام الحاكم به:

٢. أسلوب العقد

يتم وضع الدستور بالاتفاق بين الحاكم والشعب، معبراً عن تلاقي إرادتيهما. وقد مثل هذا الأسلوب انتقالاً بين مرحلة استئثار الحاكم ومرحلة استئثار الأمة، ويلاحظ أنه بعد قيام الحاكم بدوره بالموافقة على مشروع الدستور المقدم من جانب ممثلي الشعب وإقراره، لا يمكن أن يحق له بعد ذلك العدول عما ورد في الدستور من أحكام، وإن كان الواقع قد يأتي بنتائج عكسية.

ثانياً: الأساليب الديمقراطية في وضع الدساتير

١. أسلوب الجمعية النيابية التأسيسية

يتمثل في قيام الشعب وحده بانتخاب جمعية تنحصر مهمتها في وضع وثيقة دستورية، بحيث تصبح هذه الأخيرة نافذة بمجرد تمامها دون الحاجة إلى موافقة الحاكم أو الشعب. وعادةً ما يُطلق عليها اسم السلطة التأسيسية الأصلية (المؤسِكة) تمييزاً لها عن السلطة التأسيسية المشتقة (المنشأة). فالسلطة الأولى تعتبر أعلى سلطة في الدولة، ولها إنشاء كافة السلطات القائمة على رأسها السلطة التأسيسية المشتقة التي تتولى وضع النصوص الدستورية أو تعديلها وفقاً للطريقة المحددة في الدستور القائم فعلاً. وتنتمي هذه الطريقة إلى صور الديمقراطية النيابية، حيث يباشر الشعب سلطته التأسيسية بشكل غير مباشر. ومن أمثلتها تاريخياً: الدستور الأمريكي لعام 1787، والدستور الفرنسي لعام 1791، والدستور الإيطالي لعام 1947.

٢. أسلوب الاستفتاء الدستوري

يُعد أكثر الأساليب ديمقراطية، وفيه يقوم الشعب بنفسه ومباشرة بالموافقة على الدستور، ولا يكون مشروع الدستور ملزماً قانوناً إلا إذا وافق عليه الشعب مباشرة بالأغلبية. ويُعتبر هذا الأسلوب تعبيراً عن الديمقراطية المباشرة. وهناك طريقتان لهذا الأسلوب:

٥. مبدأ الفصل بين السلطات سؤال مقالي

مضمون هذا المبدأ أنه لا يجوز اجتماع كل السلطات بيد فرد أو هيئة واحدة، إذ يؤدي ذلك إلى الاستبداد والطغيان. لذلك، يجب توزيع هذه السلطات على هيئات متعددة، بحيث تقوم كل هيئة بجزء منها.

وقد نادى الفيلسوف الفرنسي "مونتسكيو" في كتابه "روح القوانين" بضرورة عدم اجتماع السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد فرد واحد أو هيئة واحدة، مؤكداً أنه لا توجد حرية ما لم تنفصل هذه السلطات عن بعضها.

ويبرر ذلك بأن كل شخص يملك سلطة يكون عرضة لإساءة استخدامها، ويؤكد أن كل شيء سيضيع إذا مارس شخص واحد أو هيئة واحدة السلطات الثلاث مجتمعة.

ويوضح أنه يجب أن يكون ثمة توازن بين هذه السلطات بحيث لا تطغى سلطة على أخرى، فطبيعة الأشياء تقتضي أن السلطة توقف السلطة. ويقوم مبدأ الفصل بين السلطات على أساس توزيع وظائف الدولة الثلاث التشريع، التنفيذ، القضاء على ثلاث سلطات منفصلة، بحيث لا يجوز أن تمارسها سلطة واحدة. ويُجرى هذا التوزيع بدقة لضمان "التوازن بين السلطات"، بحيث لا تطغى سلطة على أخرى، إذ "السلطة توقف السلطة".

وقد انعكست أفكار مونتسكيو حول هذا المبدأ على الدستور الأمريكي الصادر عام 1787، كما تبناه الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر عقب الثورة الفرنسية عام 1789 في المادة 16 منه، والتي نصت على أن أي مجتمع لا يوجد فيه فصل بين السلطات يُعتبر مجتمعاً غير دستوري. ومنذ ذلك الحين، انتشر مبدأ الفصل بين السلطات في معظم دول العالم.

وقد طُبق هذا المبدأ في البداية بشكل صارم (الفصل الجامد) بين السلطات، بحيث لم يكن يجوز لأي سلطة التدخل في عمل سلطة أخرى. إلا أنه مع مرور الوقت، تبين أن حسن إدارة شؤون الدولة يتطلب وجود تعاون وتنسيق بين هذه السلطات، وهو ما يُعرف بـ (الفصل المرن) بين السلطات.

وبالنظر إلى موقف نظم الحكم من مبدأ الفصل بين السلطات من حيث الأخذ به من عدمه، أو تبنّي المفهوم الجامد أو المرن، يمكن تصنيفها إلى ثلاثة نظم: النظام المجلسي، النظام البرلماني، والنظام الرئاسي.

يقوم الأساس النظري للنظام المجلسي أو نظام حكومة الجمعية على الجمع بين السلطات وليس على الفصل بينها. بينما يأخذ النظام البرلماني بمبدأ الفصل بين السلطات في صورته المرنة. في حين يتبنى النظام الرئاسي المفهوم الجامد للفصل بين السلطات.

وقد أسفر التطبيق الفعلي لهذه النظم عن بعض التغيرات في خصائص كل نظام؛ فعلى سبيل المثال، لم يعد النموذج المطبق حالياً للنظام المجلسي يتسم بنفس الخصائص التي ظهر بها في البداية. كما أن فكرة الفصل الجامد التي يتسم بها النظام الرئاسي قد تطورت بما يخفف من حدتها.

أما من حيث النشأة: فقد ظهر النظام المجلسي في فرنسا وأُخذ به في بعض الفترات التاريخية، بينما تُعد إنجلترا مهد النظام البرلماني، في حين ظهر النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية.

٦. نظام الحكم الملكي والجمهوري سؤال مقالي

أولاً: نظام الحكم الملكي

ماهية الحكم الملكي

يتميز نظام الحكم الملكي بأن حاكمه يعتلي العرش طوال حياته وفقا لقواعد وراثة العرش وبدون أن يكون مسؤولا جنائيا أو سياسيا.

وعادة ما يلقب بالملك وقد يحمل ألقابا أخرى تختلف من نظام سياسي إلى آخر مثل لقب إمبراطور كما في اليابان وسلطان كما في سلطنة عمان وأمير كما في الكويت.

وأيا كان اللقب فالتعريف السابق يرشدنا إلى أن هذا النظام له ثلاث خصائص أساسية، ألا وهي:

  1. تولي رئاسة الدولة مدى الحياة: تلك هي إحدى السمات الأساسية للأنظمة الملكية، حيث يتولى الملك رئاسة الدولة مدى حياته باعتباره حقا ذاتيا لا يشاركه فيه أحد، نظرا لانتسابه إلى أسرة معينة تتولى شؤون الحكم بناء على حق ذاتي مقرر لها وحدها. كما أن مدة الحكم غير محدودة بل تتوقف على العديد من العوامل بخلاف مدى طول أو قصر عمر الملك نفسه، حيث يعتلي الحكم حتى وفاته أو عجزه.
  2. تولي رئاسة الدولة وفقا لقواعد وراثة العرش: فإن الوريث أو ولي العرش، يعتلي العرش عند خلوه خلفا للملك السابق، ويتولى المنصب ذاتيا وفق قواعد توارث العرش، بفضل انتمائه لأسرة معينة باعتبار أن لها حقا ذاتيا في تولي الرئاسة.
  3. عدم مسؤولية رئيس الدولة سياسيا أو جنائيا: فالقاعدة هي عدم مسؤولية الملك مطلقا فالمقرر في النظام الملكي الإنجليزي أن الملك لا يخطئ ما دام أنه لا يخطئ فإنه لا يسأل.

أنواع الحكم الملكي

وتنقسم إلى نوعين، هما الملكية الدستورية أو المقيدة، والملكية المطلقة. ويمكن بيان ذلك على النحو الآتي:

١. الملكية الدستورية أو المقيدة: وهي التي "لا تتجمع فيها السلطات العامة في يد الملك بل إنها مقيدة في حدود الدستور والقوانين السائدة وتتركز في يد السلطة التنفيذية والتشريعية، الملك يملك ولا يحكم". أي أن الملك ليس له من السلطات إلا ما حددته قوانين بلاده. ومن أمثلة الملكية الدستورية في الوقت الراهن: ممالك إنجلترا وإسبانيا وهولندا واليابان. إلا أن هناك بعض الملكيات التي ما زال فيها الملك يحكم إلى جانب أنه يملك، أي أن له سلطات فعلية، كما هو الحال في الممالك العربية ومملكة نيبال وسلطنة بروناي.

٢. الملكية المطلقة: ويقصد بها "نظام يتمتع فيه الملك بسلطات مطلقة ولا تخضع للرقابة ولا يقيدها قيد"، الملك يستحوذ على كافة السلطات العامة سواء التنفيذية أو التشريعية كما يهيمن على السلطة القضائية بحيث يؤثر على قراراتها إذا ما تعارضت مع مصالحه، إذ إن القيود القانونية والرقابة تكاد تنعدم أمام سلطانه، وقد يحكم الملوك وفقا لهذا النموذج استنادا لما يسمى "الحق الإلهي المباشر أو غير المباشر".

ثانياً: نظام الحكم الجمهوري

ماهية الحكم الجمهوري

هو النظام الذي يتولى فيه رئيس الدولة الحكم لمدة محددة وذلك عن طريق الانتخاب، كما أنه يكون مسؤولا جنائيا عن تصرفاته ومن الممكن أيضا أن يسأل سياسيا.

وإذا كان الحكم في النظام الملكي له عدة ألقاب، فإنه في النظام الجمهوري يأخذ صفة "رئيس الجمهورية".

ومما سبق يتبين لنا، أن نظام الجمهورية يتميز بثلاث خصائص إلا وهي:

  1. تأقيت مدة الرئاسة: فأهم سمة من سمات النظام الجمهوري هي تأقيت مدة الرئاسة، فولاية الرئيس تنحصر في مدة معينة، وتختلف تلك المدة من نظام سياسي لآخر، وقد تكون 4 أو 5 سنوات .... وهكذا. وأهمية تلك السمة تكمن في أنها تؤدي إلى تطبيق فكرة التداول السلمي للسلطة، كما أن طول مدة الرئاسة لها مميزات في بعض الحالات كتنفيذ البرامج الرئاسية خلال مدة معقولة، وتوفر الحنكة والخبرة في شخص الرئيس، ففي حالة تولي رئيس ناجح تنعم البلاد في عصره بالاستقرار والتقدم والرفاهية، إلا أنه يخشى أن يؤدي طول هذه المدة إلى تعاظم نفوذ الرئيس مما قد يكون مدعاة للاستبداد. ويختلف مفهوم التأقيت في الدساتير المختلفة: فقد تحظر بعض الدساتير تولي شخص واحد رئاسة الدولة لأكثر من عدد محدد من فترات الحكم متتالية كانت أو متقطعة. كما تحظر مثلا تولي الرئاسة لأكثر من فترتين انتخابيتين طوال حياته. في حين قد تنص بعض الدساتير على أن تكون ولاية رئيس لمدة مؤقتة لكنها غير مقيدة بعدد محدد من مرات الترشح، حيث تتم انتخابات رئاسية جديدة عقب انتهاء مدة كل ولاية.
  2. تولي رئاسة الدولة بالانتخاب: يُرى أن الرئيس يصل للحكم عن طريق الانتخاب وليس بالميراث كما في الحكم الملكي وتتعدد أساليب انتخاب رئيس الدولة، وتتخذ ثلاثة أساليب وهي:
  3. مسؤوليات رئيس الدولة: على عكس النظام الملكي، يمكن مساءلة رئيس الدولة في النظام الجمهوري جنائياً عن الأفعال التي تشكل جريمة، مثل خرق الدستور وجرائم الخيانة العظمى، وتُتخذ إجراءات خاصة لمحاكمته. كما يُعاقب عن الجرائم العادية "كالاختلاس والقتل" كأي فرد من الشعب. وقد تقتضي بعض الدساتير مثل الدستور البرتغالي عدم مساءلته عن الجرائم العادية إلا بعد انتهاء مدة رئاسته. أما المسؤولية السياسية، فتختلف باختلاف نظام الحكم: ففي الأنظمة البرلمانية لا تقع عليه وتوضع على عاتق الوزارة، بينما توجد في أنظمة أخرى وقد تؤدي إلى إطاحته من منصبه قبل انتهاء مدته.

أنواع الحكم الجمهوري

تتعدد الأنظمة الجمهورية بين أنظمة رئاسية وأنظمة برلمانية، وقد يسودها نظام الحزب الواحد أو نظام التعددية الحزبية. والنظام الجمهوري بشكل عام يشكل معظم الأنظمة السياسية المعاصرة.

ثالثاً: تقييم النظامين الملكي والجمهوري

عيوب النظام الملكي

  1. يعيب النظام الملكي عدم توافقه مع الديمقراطية: حيث يصل الملك إلى العرش بالوراثة واستناداً لحق ذاتي في تولي الحكم، دون أن يكون للشعب أي حق في اختياره.
  2. يتعارض النظام الملكي مع مبدأ المساواة: يقوم النظام الملكي على حصر منصب رئاسة الدولة في أسرة معينة بالوراثة، مما يحرم باقي المواطنين من حق التقدم لهذا المنصب، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع مبدأ المساواة بين جميع أفراد الشعب.
  3. قد يؤدي النظام الملكي إلى وصول أشخاص لا يصلحون لرئاسة الدولة: يعتمد النظام الملكي على الوراثة بغض النظر عن كفاءة الشخص أو صلاحيته للحكم، وهو ما قد يؤدي إلى تولي من لا يصلح لرئاسة الدولة. والأخطر أن الشعب لا يملك وسيلة سلمية لعزل هذا الحاكم، لأنه يمارس السلطة بناءً على حق شخصي بالانتساب للأسرة الحاكمة، وليس بناءً على معايير موضوعية أو إرادة شعبية.

مزايا النظام الملكي

  1. قد يؤدي النظام الملكي إلى الاستقرار السياسي للدولة؛ فوصول الملك للحكم عن طريق الوراثة يجنب البلاد التطاحن على الرئاسة والاضطرابات والأزمات التي عادة ما تصاحب الانتخابات في النظام الجمهوري.
  2. تولي الملك للحكم مدى الحياة يمنحه خبرة وحنكة واسعة بشؤون البلاد: خاصة وأنه يتلقى تعليماً راقياً وينشأ في مناخ سياسي منذ الصغر. كما أن طول مدة حكمه يُعمق العلاقات الخارجية ويسهل حل المشاكل الدولية، ويتيح له تنفيذ خططه التنموية بشكل أسرع ووقت كافٍ. وهذه الأمور يصعب تحقيقها في النظام الجمهوري نظراً لتأقيت محدودية مدة الرئيس.
  3. وراثة الحكم أيضا قد تؤدي إلى عدم خضوع الملك لأي حزب من الأحزاب بل وتجعله يسمو فوق جميع الأحزاب: مما يمكنه من تحقيق الوئام بين مختلف الاتجاهات الحزبية. على عكس النظام الجمهوري، حيث لا يصل الرئيس للحكم غالباً إلا بدعم حزب أو أحزاب معينة، مما يفقده استقلاليته تجاهها. كما أن الأموال الطائلة التي تُصرف في الدعاية الانتخابية بالنظام الجمهوري تكون أولى بإنفاقها في مصالح البلاد.

٧. النظام المجلسي (نظام حكومة الجمعية) سؤال مقالي

نشأ النظام المجلسي أو نظام حكومة الجمعية في فرنسا عقب الثورة الفرنسية، وطُبق لفترات مؤقتة في مراحل انتقالية.

طُبق هذا النظام أولاً في الفترة من 1792 إلى 1795، حين تولت الحكم جمعية تأسيسية أنشئت لغرض أساسي هو وضع دستور جديد، ومن هنا جاءت تسمية حكومة الجمعية نسبةً إلى الجمعية التأسيسية. ثم طُبق مجدداً في الفترة بين 1871 و1875 بعد انهيار الإمبراطورية التي أقامها نابليون الثالث 1852-1870.

وقد ارتبط هذا النظام في التاريخ الدستوري الفرنسي بعهود الاستبداد، ولم يثبت نجاحه، لذلك جرى العدول عنه. إلا أن النظام طُبق في سويسرا وأثبت نجاحه، وبقي مطبقاً فيها حتى الآن، مع ملاحظة أن النموذج السويسري يختلف في بعض خصائصه عن النموذج الفرنسي، حيث اقترب الأول من مبدأ الفصل بين السلطات، على عكس التطبيق الفرنسي الذي انطلق من فكرة تركيز السلطة لا فصلها.

وعلى النقيض من أفكار مونتسكيو حول الفصل بين السلطات، جاء النظام المجلسي متأثراً بأفكار الفيلسوف السويسري جان جاك روسو 1712-1778 حول مبدأ السيادة، كما عبّر عنها في كتابه "العقد الاجتماعي" 1762، الذي يُعد أحد المراجع الفكرية الأساسية للثورة الفرنسية.

ويرى روسو أن السيادة - وهي ملك للأمة - لا تقبل التجزئة ولا يمكن التنازل عنها. وقد جاء النظام المجلسي كصدى لهذه الأفكار؛ حيث تتولى الجمعية - بوصفها أصيلة وليست نائبة عن الشعب - ممارسة هذه السيادة، ولذا تجتمع في يدها، إضافة إلى سلطة التشريع، سلطة التنفيذ وسلطة القضاء.

إذن، فجوهر النظام المجلسي يتمثل في وجود مجلس أو جمعية أو برلمان تشريعي يمارس، بالإضافة إلى الوظيفة التشريعية، كلاً من الوظيفة التنفيذية والوظيفة القضائية.

وبالنظر إلى صعوبة اضطلاع هذا المجلس بنفسه بهذه الوظائف كافة، فإنه يعهد بمهام التنفيذ إلى وكلاء عنه. وللجمعية عزل أعضاء السلطة التنفيذية، في حين لا تملك السلطة التنفيذية سلطة حل الجمعية، كما أن للجمعية سلطة تعيين أعضاء السلطة القضائية.

وبالتالي، تتمثل خصائص النظام المجلسي في:

ولم يعد للنظام المجلسي تطبيق في الوقت الحاضر، سوى في الاتحاد السويسري، وهو دولة فيدرالية تعتمد الديمقراطية المباشرة، حيث توجد بها الجمعية الاتحادية أو البرلمان والتي تتكون من غرفتين. ويعقد هذا البرلمان جلساته لفترة قصيرة؛ حيث تجتمع كل غرفة أربع مرات في العام، تمتد كل جلسة ثلاثة أسابيع، على أن تجتمع الغرفتان معاً مرة على الأقل كل عام لانتخاب أعضاء المجلس الاتحادي السبعة (السلطة التنفيذية والقضاء الاتحادي).

ومن مظاهر خصوصية التجربة السويسرية للنظام المجلسي عدم إمكانية عزل المجلس النيابي أو البرلمان لأعضاء المجلس الاتحادي أو السلطة التنفيذية قبل انتهاء مدتهم التي تبلغ أربع سنوات، وهذا مظهر من مظاهر مبدأ الفصل بين السلطات، ولا يتوافق مع فلسفة النظام المجلسي في شكله النظري.

٨. النظام البرلماني سؤال مقالي

أولاً: نشأة النظام البرلماني

تعتبر إنجلترا مهد النظام البرلماني، وقد تبلورت خصائص هذا النظام نتيجة للتطورات التاريخية التي مرت بها إنجلترا وانتقالها من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية، حيث ارتضى كل من الشعب والملك هذا النظام بشكله الحالي.

فقد وجد الشعب في هذا النظام الأسلوب الأمثل الذي يمكنه من ممارسة مظاهر السيادة، باعتباره صاحب السيادة ومصدر السلطات. كما ارتضى الملك هذا الشكل لأنه يحتفظ له بما تبقى من سلطاته التي تقلصت شيئاً فشيئاً، ويحفظ له مكانته الأدبية في المجتمع الإنجليزي.

وقد انتشر هذا النموذج في الممالك الأوروبية، وانتقل كذلك إلى الجمهوريات، ولذا أصبح النظام البرلماني موجوداً في النظم الملكية والجمهورية على حد سواء.

ثانياً: خصائص النظام البرلماني

١. ثنائية السلطة التنفيذية: رئيس الدولة – الحكومة

ترجع هذه الخاصية إلى الأسباب التاريخية التي أدت إلى نشأة النظام البرلماني في كنف إنجلترا (النظام الملكي). فبعد أن كانت سلطة الملك مطلقة، صارت مقيدة، وبعد أن كان الملك هو صاحب السيادة، أصبحت هذه السيادة للشعب. وقد تمخض عن هذه التطورات قاعدتان:

ظل الملك يعتلي عرش البلاد، ولكن أصبح دوره أدبياً، يقتصر على المهام الشرفية كاستقبال الوفود والسفراء ومنح الأوسمة.

بينما انتقلت السلطة الفعلية إلى الوزراء (السلطة التنفيذية)، والذين مع تنامي سلطة البرلمان - باعتبارهم ممثلي الشعب الذي هو المالك الحقيقي للسيادة - أصبح من اللازم الحصول على موافقته لكي يتولوا حقائبهم الوزارية.

إذن، أصبحت السلطة التنفيذية ثنائية: الملك من ناحية، والوزارة (الحكومة) من ناحية أخرى.

وبانتقال النظام البرلماني وتطبيقه في الدول الجمهورية، أصبحت السلطة التنفيذية متمثلة في رئيس الجمهورية والحكومة. وهنا يطرح التساؤل: من يتحمل المسؤولية؟ هل يتحملها رئيس الدولة سواء كان ملكاً أو رئيساً للجمهورية أم تتحملها الحكومة؟

القاعدة هي تلازم السلطة مع المسؤولية، وحيث إن أغلب السلطات التنفيذية تمارسها الحكومة وليس رئيس الدولة، فإن الحكومة هي التي تسأل وليس رئيس الدولة.

ففي النظم الملكية، فإن الملك غير مسؤول جنائياً أو سياسياً؛ فهو غير مسؤول جنائياً تطبيقاً للقاعدة المقررة في النظام الملكي وهي أن الملك لا يخطئ، كما أن الملك غير مسؤول سياسياً لأنه لا يمارس سلطات فعلية.

وفي النظم الجمهورية، فإن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً بحسب الأصل وذلك لذات المبرر وهو عدم ممارسته سلطات فعلية، وإن كان من الجائز مساءلته جنائياً.

٢. الفصل المرن بين السلطات

إن جوهر النظام البرلماني يتمثل في هذه الخاصية، بعكس الحال في النظام الرئاسي الذي يتسم بفكرة الفصل الجامد بين السلطات. فالعلاقة قائمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد تأخذ شكل التعاون تارة، وشكل الرقابة تارة أخرى.

فالسلطة التشريعية هي التي تمنح الثقة للحكومة أو الوزارة التي تتشكل من الحزب الحائز على أغلبية مقاعد البرلمان.

كما يملك البرلمان سحب هذه الثقة التي سبق أن منحها، سواء من وزير بعينه أو من الوزارة كلها.

وللبرلمان حق استجواب أحد الوزراء، وتقديم الأسئلة، وتشكيل لجان تقصي الحقائق وغير ذلك.

وفي المقابل، فإن السلطة التنفيذية لها حق اقتراح مشروعات القوانين وتقديمها للبرلمان، وإلقاء البيانات أمام البرلمان، كما تملك حل البرلمان حال تعذر الاتفاق بينهما.

إن تبني هذا المفهوم المرن لمبدأ الفصل بين السلطات هو الذي يبرر إمكانية أن يصبح أعضاء البرلمان أعضاءً في الحكومة في نفس الوقت، أو العكس بحيث يُعين أعضاء الحكومة أعضاءً في البرلمان.

ثالثاً: تقييم النظام البرلماني

· إعلاء رقابة الشعب، بما يكفل قيام البرلمان بمنح الثقة للحكومة وإمكانية سحبها منها.

· إقامة توازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يضمن عدم طغيان إحداهما على الأخرى، ويسمح بالتطبيق الفعال لمبدأ أن السلطة توقف السلطة، وهو ما يمنع في النهاية من ظهور أنظمة استبدادية. ومع ذلك، يؤخذ على النظام البرلماني:

· أنه قد لا يحقق الاستقرار السياسي، خاصة في الديمقراطيات الناشئة حيث تتسم الأحزاب السياسية بالضعف، وعدم قدرة أي حزب منفرد على الحصول على الأغلبية البرلمانية التي تسمح له بتشكيل الحكومة بمفرده. وهذا يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بالحكومة الائتلافية، حيث يضطر الحزب الحاصل على الأكثرية إلى الدخول في ائتلاف مع حزب أو عدة أحزاب ذات تمثيل ضعيف في البرلمان كي يتمكن من تشكيل الحكومة. ولا يخفى هشاشة هذه الحكومات الائتلافية، إذ يضطر حزب الأكثرية إلى الرضوخ لضغوط، وأحياناً ابتزازات، أحزاب الأقلية، مما يؤدي إلى التصارع الحزبي.

· وقد ينهار هذا الائتلاف بعد فترة وجيزة من تكوينه، فتدخل البلاد في أزمات سياسية كفشل تشكيل الحكومة، أو حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة. ويزداد الوضع سوءًا إذا كانت الدولة تعاني من صراعات طائفية أو تدهور اقتصادي.

وبالتالي: فإذا كان النظام البرلماني قد أثبت جدارته في الديمقراطيات الراسخة، إلا أنه ليس شرطاً أن تحدث ذات النتائج الإيجابية في الدول حديثة العهد بالديمقراطية.

٩. النظام الرئاسي سؤال مقالي

أولاً: نشأة النظام الرئاسي

ارتبط ظهور النظام الرئاسي بتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776، وبالدستور الأمريكي عام 1787، الذي تأثر بأفكار مونتسكيو حول الفصل الجامد بين السلطات. وقد تأثر بهذه الأفكار أيضاً رجال الثورة الفرنسية، الذين تبنوا المفهوم الجامد للفصل بين السلطات. كما تأثرت العديد من دول العالم بالنموذج الأمريكي، ومنها بعض دول أمريكا اللاتينية، مع اختلاف في بعض ملامح هذا النظام ومعالمه.

ثانياً: خصائص النظام الرئاسي

يتميز النظام الرئاسي بخاصيتين رئيسيتين: أولاً، وحدة السلطة التنفيذية؛ وثانياً، الأخذ بالمفهوم الجامد لمبدأ الفصل بين السلطات.

١. وحدة السلطة التنفيذية

إن السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي لا تعرف إلا رئيس الدولة، فهو وحده الذي يمارسها وله كل السلطات، ومن ثم فلا وجود لحكومة تشاركه في ممارسة السلطة التنفيذية. ويترتب على تفرد رئيس الدولة بممارسة السلطة التنفيذية أن النظام الرئاسي لا يعرف مسمى وزراء؛ فهم فقط مساعدون للرئيس، ولذا يُطلق عليهم سكرتارية دولة، وهم خاضعون في ممارسة أعمالهم لرئيس الدولة.

٢. الفصل الجامد بين السلطات

يتبنى النظام الرئاسي المفهوم الجامد لمبدأ الفصل بين السلطات، بمعنى أن لكل سلطة مهامها التي لا يجوز لسلطة أخرى التدخل فيها. فلا يجوز للسلطة التشريعية التدخل في أعمال السلطة التنفيذية، ولا يجوز للسلطة التنفيذية التدخل في أعمال السلطة التشريعية. إلا أنه لا يمكن عملياً الأخذ بما يُسمى بالفصل المطلق، فهذا الأمر غير موجود. ولذلك فإن النظام الرئاسي يأخذ بالفصل الجامد أو غير المرن أو شبه المطلق، وليس بالفصل المطلق. وسيتضح هذا لاحقاً عند الحديث عن مظاهر تخفيف حدة الفصل بين السلطات في النظام الرئاسي.

وطالما أن النظام الرئاسي يقوم على الفصل الجامد بين السلطات، فإنه من المفترض أن تترتب النتائج التالية:

مظاهر تخفيف حدة الفصل الجامد

وعلى الرغم من تبني النظام الرئاسي لمبدأ الفصل الجامد غير المرن، إلا أنه ظهرت بعض المخففات التي تُقلل من حدة هذا المبدأ بما يساعد كل سلطة على أداء مهامها على النحو الأمثل. فدستور الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعد مهد النظام الرئاسي، يسمح بوجود قدر من العلاقة والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

فيحق للكونجرس التدخل في بعض الشؤون التي تمارسها السلطة التنفيذية، مثل إقرار المعاهدات الدولية التي يتم توقيعها، كما يحق له مساءلة الرئيس ونائبه وكبار الموظفين، وإمكانية عزلهم.

ويمكن للسلطة التنفيذية دعوة البرلمان للانعقاد في جلسات استثنائية، كما يحق لرئيس الجمهورية الاعتراض على قانون أقره البرلمان خلال فترة محددة، وهو ما يُعرف بالاعتراض التوقيفي، أو توجيه رسائل وتوصيات إلى الكونجرس بشأن بعض المسائل.

ثالثاً: تقييم النظام الرئاسي

يمكن القول إن الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في النظام الرئاسي يحقق الاستقرار السياسي، إذ يجنب البلاد العديد من الأزمات السياسية التي غالباً ما تحدث في النظام البرلماني.

إلا أنه في المقابل، يُخشى أن يؤدي النظام الرئاسي - خاصة عند الأخذ بصورته المعيارية - إلى اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية وربما الاستبداد. لذلك، تعمل بعض الدول التي تتبنى النظام الرئاسي على مزجه ببعض مظاهر النظام البرلماني، مما أوجد ما يُعرف بالنظام شبه الرئاسي.